المقريزي
45
المقفى الكبير
كان مقامه بالقرب من آمد ، فخطبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون ورغّبه في القدوم إلى مصر ، فلم يوافق على القدوم حتى يرى منشور الإقطاع ، فكتب له منشور بإقطاع جيّد ووجّهه إليه فلم يتهيّأ له ذلك . وكان تحت إيالة المغل ملوك بغداد ، ويلي عنهم [ 305 أ ] رأس عين من قبل غازان . فلمّا مات غازان في سنة ثلاث وسبعمائة أحبّ القدوم إلى مصر ، وكتب يستأذن في ذلك ، فأجيب بالإذن والشكر ، ووعد بكلّ خير . وكتب إلى الأمراء نوّاب الشام بتلقّيه وإكرامه وتعظيم قدره . فركب بمن معه من الزامه وأقاربه وأمواله ، ونزل على الفرات ، فتلقّاه نوّاب بهسنا وكختا وكركر « 1 » وغيرها ، وقاموا بخدمته حتّى قرب من حلب ، فتلقّاه نائبها ، وقام بواجبه ، وجهّزه إلى دمشق ، فتلقّاه أيضا نائبها ، وسيّره إلى مصر . فخرج إليه الأمير بيبرس الجاشنكير وسائر الأمراء ، ولقوه بقبّة النصر خارج القاهرة في ثالث ذي الحجّة منها ، وصعدوا به إلى قلعة الجبل . فقبّل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ، فاستدناه وسأله عن أحواله ، وأنزله بالقلعة ، وأنعم عليه بإمرة مائة تقدمة ألف على إقطاع الأمير بهاء الدين قراقوش الظاهريّ بحكم انتقاله إلى إمرة بصفد . وأعطا [ ه ] زيادة مائة ألف درهم . وأنعم على أمير عليّ - من الزامه - بإمرة عشرة ، وعلى نوروز ابن أخيه بإمرة مائة . وأهدى الأمراء إليه هدايا سنيّة . واستمرّ من أكبر أمراء مصر . وقدمت عليه أخته في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ، فماتت بدمشق قبل رؤيته . وكان السلطان يعظّم قدره ويكرمه ويبعث إليه الذهب مع الأمير بكتمر الساقي ومع غيره ، ويرسل إليه بأن : لا تبوس الأرض على هذا المبلغ ولا تنزله في ديوانك - يريد بذلك إخفاء ما يرسله إليه . وكان يجلس [ أوّلا في الميمنة ] ثاني نائب الكرك ، فلمّا خرج [ نائب الكرك ] إلى طرابلس جلس جنكلي رأس الميمنة ، حتّى مات يوم الاثنين ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبعمائة . وكان من الحشمة والعقل والسكون ، والدين الوافر ، وعفّة الفرج ، في غاية . وكان يعرف من الفقه ربع العبادات ، واختلاف الأئمّة [ 401 ب ] في ذلك . وكان ركنا من أركان الإسلام في نفع أهل العلم والدين بماله وجاهه . وأنفق في حركة الناصر أحمد في توجّهه إليه بالكرك وإحضاره إيّاه منها حتّى تسلطن ، وما قدّمه له في سلطنته ، وما تكلّفه في توجّهه لمحاربته بالكرك ، مبلغ ألف ألف وأربعمائة ألف درهم فضّة ، عنها نحو سبعين ألف دينار . وكان له ولدان ، أحدهما ناصر الدين محمد ، وقد مرّ ذكره في المحمّدين « 2 » . والآخر شهاب الدين أحمد .
--> ( 1 ) بهسنا : قال ياقوت : قلعة بقرب مرعش وسميساط ، هي اليوم من أعمال حلب . وكختا لم يذكرها ياقوت ؛ وفي السلوك 1 / 714 هامش 4 : قلعة في شرقي ملطية . وحصن كركر يقع بين ملطية وآمد ( السلوك 1 / 714 هامش 1 ) ، وكذلك قال ياقوت . ( 2 ) هذه عبارة الصفديّ ، ومعروف أنّ الوافي يبدأ بتراجم المحمّدين ، وليس الأمر كذلك في المقفّى الذي حصل بين أيدينا . فالمقريزي نقل عن الصفدي دون أن يتنبّه إلى مسألة الترتيب ، ولم يتّبع الصفدي في الأعيان ترتيبه في الوافي ، فقال بخصوص ناصر الدين ابن جنكلي : وسيأتي ذكر الأمير محمّد ( الميم بعد الجيم ) ، أو لعلّه كان في نيّته أن يبدأ بالمحمّدين هو أيضا ؟ ولكن سبق له أن قال في رأس مخطوط السليميّة : ونفتتح بإبراهيم الخليل تبرّكا به . ومحمّد بن جنكلي تأتي ترجمته في المقفّى برقم 2004 ، وقد توفّي قبل أبيه سنة 742 .